أبي حيان الأندلسي
51
البحر المحيط في التفسير
لما ذكر تعالى حالة الإيمان والمؤمنين وتنويره قلوبهم ووصفهم بما وصفهم من الأعمال النافعة في الآخرة أعقب ذلك بذكر مقابلهم الكفرة وأعمالهم ، فمثل لهم ولأعمالهم مثلين أحدهما يقتضي بطلان أعمالهم في الآخرة وأنهم لا ينتفعون بها . والثاني يقتضي حالها في الدنيا من ارتباكها في الضلال والظلمة شبه أولا أعمالهم في اضمحلالها وفقدان ثمرتها بسراب في مكان منخفض ظنه العطشان ماء فقصده وأتعب نفسه في الوصول إليه . حَتَّى إِذا جاءَهُ أي جاء موضعه الذي تخيله . فيه لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً أي فقده لأنه مع الدنو لا يرى شيئا . كذلك الكافر يظن أن عمله في الدنيا نافعه حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم ينفعه عمله بل صار وبالا عليه . وقرأ مسلمة بن محارب : بقيعات بتاء ممطوطة جمع قيعة كديمات وقيمات في ديمة وقيمة ، وعنه أيضا بتاء شكل الهاء ويقف عليها بالهاء فيحتمل أن يكون جمع قيعة ، ووقف بالهاء على لغة طيئ كما قالوا البناه والأخواه في الوقف على البنات والأخوات . قال صاحب اللوامح : ويجوز أن يريد قيعة كالعامة أي كالقراءة العامة ، لكنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف مثل مخر نبق لينباع . وقال الزمخشري : وقد جعل بعضهم بقيعات بتاء ممدودة كرجل عزهاة . وقال صاحب اللوامح : ويجوز أنه جعله مثل سعلة وسعلاة وليلة وليلات ، والقيعة مفرد مرادف للقاع أو جمع قاع كنار ونيرة ، فتكون على هذا قراءة قيعات جمع صحة تناول جمع تكسير مثل رجالات قريش وجمالات صفر . وقرأ شيبة وأبو جعفر ونافع بخلاف عنهما الظمآن بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الميم ، والظاهر أن قوله يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ هو من صفات السراب ولا يعني إلّا مطلق الظَّمْآنُ لا الكافر الظَّمْآنُ وقال الزمخشري : شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق من الأعمال الصالحة التي يحسبها أن تنفعه عند اللّه وتنجيه من عذابه يوم القيامة ، ثم يخيب في العاقبة أمله ويلقى خلاف ما قدر بسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه عطش يوم القيامة فيحسبه ماء ، فيأتيه فلا يجد ما رجاه ويجد ربانية اللّه عنده ، يأخذونه ويعتلونه ويسقونه الحميم والغساق وهم الذين قال اللّه فيهم عامِلَةٌ ناصِبَةٌ « 1 »
--> ( 1 ) سورة الغاشية : 88 / 3 .